عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
416
اللباب في علوم الكتاب
وقد يقال : إنه كان نذيرا وبشيرا للكل إلّا أنّ المنتفع بالنذارة والبشارة هم المؤمنون كما تقدّم في قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . واللّام في قوله [ القوم ] من باب التّنازع ، فعند البصريين تتعلق ب « بشير » لأنه الثّاني ، وعند الكوفيين بالأول لسبقه . ويجوز أن يكون المتعلّق بالنذارة محذوفا ، أي : نذير للكافرين ودلّ عليه ذكر مقابله كما تقدم . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 189 إلى 193 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 ) أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 191 ) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ( 192 ) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَ دَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ( 193 ) قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ الآية . اعلم أنّه تعالى رجع هنا إلى تقرير التّوحيد ، وإبطال الشرك . قال ابن عبّاس : المراد بالنفس الواحدة آدم - عليه الصلاة والسلام « 1 » - وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [ النساء : 1 ] أي حواء خلقها اللّه من ضلع آدم - عليه الصلاة والسلام - من غير أذى ليسكن إليها أي : ليأنس بها ويأوي إليها قالوا : والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم : أنّ الجنس أميل إلى جنسه . قال ابن الخطيب : وهذا مشكل ؛ لأنّه تعالى لمّا كان قادرا على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقول خلق حواء من جزء من أجزاء آدم ؟ ولم لم نقل إنّه تعالى خلق حواء أيضا ابتداء ؟ وأيضا فالقادر على خلق الإنسان من عظم واحد لم لا يقدر على خلقه ابتداء ؟ وأيضا فقولهم إنّ عدد أضلاع الجانب الأيسر من الذّكر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد ، على خلاف الحسن والتّشريح . وإذا عرف ذلك فنقول : المراد من كلمة من في قوله : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أنّ الإشارة إلى شيء تكون تارة بحسب شخصه ، وتارة بحسب نوعه . قال عليه الصّلاة والسّلام هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلّا به . والمراد نوعه لا ذلك الفرد المعين ، وقال - عليه الصّلاة والسّلام - في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر اللّه فيه موسى على فرعون والمراد : نوعه .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 141 ) عن مجاهد .